كائنات خرافية

كانت حكايات الغول ولازالت جزءا من الذاكرة الشعبية المغربية، تناقلتها الألسنة وتوارثتها الأجيال وصارت ملمحا دالا على المسامرات الليلية التي تباشر فيها الجدات والأمهات سرد القصص المتخنة بالصور والخيالات حتى ترسخ في ذهن الصغار سجل من الأساطير والخرافات والشخصيات الخارقة والمعجزات، ولعل ما يوحد حكايات الغول جميعها أنها تسكن النفوس ولا تفارقها، يستمع إليها الصغار جماعات في سكون ينضاف إلى سكون الليل، يغيب الواحد منهم في الحكايات وينسى رفاقه، يعيش خوفه وحيدا وكأنه بطل من أبطال القصص، يود المشاركة في التحولات يتمثل نفسه بطلا أو يتخيل نفسه مكان الشاطر حسن، يضرب الغول ضربة واحدة فيقطعه أشلاء، وما أن تنتهي الحكاية حتى يطمع في غيرها ليقضي على كل الوحوش المفترضة ومع هذا وذاك يتملكه الخوف الذي يفضي إلى توترات عضلية متنازعة ونبضات قلبية متسارعة يحاول أن يكتمها مدعيا براءته من كل انفعال

ويظهر الغول، في هذه الحكايات، في صور متعددة تبدو أحيانا مألوفة وأحيانا تمتح من العجائبي فيبدو كائنا غريبا آتيا من عوالم غير مرئية، ولا ينكشف إلا في الخلوات، تقدمه الخرافات باعتباره ماردا ماكرا ومحتالا، يتمكن من بسط هيمنته في البدايات فتختل العلاقات ويتيه المتلقي في خضم الانفعالات، يبحث عن المنعطفات ومع استمرار الحكايات تتثاقل الجفون على وقع الكلمات، ترسم النهايات أفقا للتصدي للخوف والهزائم

والمتأمل لشخصية الغول يجدها تجمع صفات غرائبية ففيه من الإنسان ما يدعو إلى الطمأنينة، وفيه من الحيوان ما يبعث على الدهشة، وفيه من الجان ما يؤدي إلى الخوف، وفي سلوكه تماثل مع المعتاد فهو يأكل ويشرب ويتكاثر، ليس لمكره حدود ولا لدهائه حواجز, أما الغولة فعجوز منفرة، لها أنياب كبيرة ومخالب فتاكة، تصدر أصواتا مفزعة يمتزج فيها الصراخ بالنباح ويتماهى فيها النهيق بالخوار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل في المتخيل على أنها ابتلعت هذه الكائنات والتهمتها، تبدو الغولة أحيانا ضريرة لاتتبين أحدا أمامها بل تشعر بحركته وسكونه وتتأكد من خوفه وضعفه فتنقض عليه انقضاض الضواري على الفرائس، وتبدو أحيانا أخرى ضعيفة البصر تستجدي شفقة العابرين الذين يرأفون لحالها وبهذا تستدرجهم لتقضي عليهم… وتتعدد الصفات والنعوت التي يتفنن الرواة في سردها ومع تنوعها ترتسم في الخيال صور لكائنات غريبة مخلوقات عجيبة

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.