احتفال بمناسبة اليوم العالمي للمدرس

احتفال

كانت الحركة غير عادية، في صفوف جميع أقسام الثانوية الإعدادية، تساءلت نظرات الأساتذة ولم يتمكنوا من تفسير هذا السلوك المفاجئ الذي انقلب فيه التلاميذ رأسا على عقب، فالذكور يسهرون على حسن الانتظام داخل الصفوف، والإناث يحرصن على الهدوء، وكان الأساتذة يتوقعون بأنه هدوء ينذر بعاصفة هوجاء، وما زاد من تأكيد توقعهم هو أنه كلما مرت تلميذة أمامهم إلا وحيتهم تحية لم يعهدوها منها من قبل، وكلما سار بالقرب منهم تلميذ نظر إليهم نظرات تأمل تخفي كثيرا من التوجس…

وبعد أن التأم التلاميذ في الساحة الكبرى، تقدم مندوبو الأقسام صفوف زملائهم، وهم يبتسمون، فيما ظل الأساتذة واجمين، ينتظرون انطلاق الدروس الصباحية، أتى المدير والحارس العام، ووقفا أمام الصفوف، لوح الحارس العام بسبابة يده اليمنى، وهو يصيح: « واحد.. اثنان.. ثلاثة »، كانت هذه لحظة ترديد النشيد الوطني، وهي لحظة دأبت عليها المدارس لترسيخ قيم المواطنة في نفوس الناشئة، وكانت من أمتع اللحظات وأحبها لدى التلاميذ، ففيها يتذكرون أجدادهم البواسل، وأبطالهم الأفذاذ الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم ليعيش أبناؤهم وأحفادهم وأسباطهم عيشة الكرماء.

وقبل التحاق الصفوف بالأقسام، تقدم مندوبو الأقسام صوب المدير، وتحلقوا من حوله والابتسامة تعلو محياهم، حينها التفت في اتجاه الأساتذة وكانت نظراته تشي بالافتخار والاعتزاز، وكأنه يبعث بألف تحية لهؤلاء الأبطال الذين لا يألون جهدا في تعليم هؤلاء الصغار فنون المحبة والانتصار، كانت نظراته كافية للتعبير عن الامتنان لحماة المستقبل، كان يدرك تمام الإدراك أن فلذات الأكباد قادرون على صنع المعجزات، وأن جهد الأجداد لن يضيع سدى، وأن عمل الآباء لن يذهب هباء، فبهؤلاء اليافعين وأترابهم ستسترد الأمة سابق مجدها، وسيملكون المستقبل مادام المستقبل لهم…

التحق المدير بالأساتذة، وحياهم واحدا واحدا، وكانت ابتسامته لا تفارقه وهو يهنئ هذا أو يشكر تلك، وكانت التفاتته هذه كافية ليعدّهم لتلقي مفاجأة لم تخطر لهم على البال، تقدم أحد المناديب وأخرج ورقة من جيبه، نظر إلى أصدقائه، وما أن لمحوا نظراته حتى عم الصمت، ونادى بأعلى صوته:

 » إلى كل حاذق مهر فنون الأدب،

وعلّمنا كيف يكون الانتماء والنسب؛

إلى كل ماهر فقه العلة والسبب،

ونبّهنا لما في الحياة من الخطوب والكَرَب؛

إلى كل فصيح قرض الشعر والخُطَب،

وحذّرنا مما في اللسان من الجمار واللهب… »

وما أن سمع التلاميذ هذه الكلمات التي اقشعرت لها أبدان الأساتذة، وسالت على إثرها دموع المعلمات، حتى انبعثت من الجموع فتيات حسان يحملن ورودا وعطرا أهدينه، باسم التاريخ، لأولي الفضل على العقل والفكر والعلم والدين، وانهال التلاميذ عليهم بالتقبيل، وصارت الساحة معرضا لمشاعر الاعتراف بالجميل، والاعتذار عما في النفوس من ميل إلى الصراخ والعويل، ووعد بالتغير إلى أحسن الأحوال، عادت الصفوف إلى سيرتها مادامت الكلمة لم تنته بعد:

 » لهذا اليوم أعمق معنى، ولكم في قلوبنا أعمق ذكرى، جعلتم لوجودنا وزنا، وصيّرتم لحياتنا شأنا، بكم ألفينا نور العلم وضّاء مشعّا، ولولاكم لسرنا في دروب الجهل أزمانا وحقبا…

كم من أجيال مرت من هنا فطاب لأهلها المقام والذكر

وكم من أزمان نبا لرجالها الفضل والأثر

كم من أقوام مضى في الخلد لأفرادها عمر

وكم من وفود أدّب أبناءها الصبر والشكر

إن كان للأنبياء وحي يطهر القلوب من الضلال والكفر

فأنتم بلا وحي ألبستم العقل سيرة الفكر

لكم منا اعتراف و تحية

لكم منا امتنان وألف هدية،

لكم منا وعد وأمنية…

قم للمعلم وفه التبجيل     كاد المعلم أن يكون رسولا

وكان التلاميذ قد اتفقوا فيما بينهم، إذا ما سمعوا هذا البيت الشعري، أنشدوه جميعا، علا صوتهم حتى أدرك الناس خارج المؤسسة أن ثمة عيدا وطنيا أو دينيا لم يستعدوا له، أو لم يسمعوا به على شاشات الأخبار، أو لم يطلعوا عليه على أعمدة الجرائد… انتبه الحارس لعلامات التعجب البادية على ملامحهم وتمتم في نفسه قائلا: » صبرا أيتها المدرسة، ستظلين وحيدة معزولة عن المجتمع، مادام الناس ينسون أن لك أعيادا لا تستوعبها مذكراتهم !… ».

فطن الأساتذة للحركة الدائبة في ساحة المدرسة، وعلموا أن المفاجأة التي هيأها التلاميذ كانت بمناسبة اليوم العالمي للمدرس، تبادلوا نظرات الفخر فيما بينهم وفي نفوسهم اطمئنان واعتراف بعمق الاحتفال والهدية.

اختلط التلاميذ بالأساتذة وتم الدرس الأول في الساحة، ولعله من أعظم دروس هذا العام: حين يتأدب التلميذ مع معلمه، ويعترف بفضله وأثره يتصالح الإنسان مع قيمه…

شاعت في الآفاق تفاصيل المحبة، وظل التلميذ مستمرا في إلقاء كلمته، وامتدت ألفاظه على أفواه أصدقائه وهم يتبادلون أطراف الحديث مع معلميهم، كان المشهد رائعا… كيف لا والمناسبة مثل هذه لا تكون في العام إلا مرة واحدة…

الرباط 17 نونبر 2007

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.