أول يوم صمت فيه

في اليوم الذي قررت الصيام فيه لأول مرة في حياتي ، احتفل بي أفراد عائلتي احتفالا عظيما يليق بالمناسبة السعيدة ، حيث وجدت نفسي محاطا بعناية واهتمام فائقين وكأنني مقبل على امتحان لقدرتي على التحمل، فقد انهالت المخاوف على مسامعي ، وأحاطت الأهوال بي من كل جانب ، حين ألحوا علي بعباراتهم مثل:  » كن مستعدا ليوم شاق  » ،  » لا تجهد نفسك كثيرا  » ،  » من الأفضل أن تظل مستلقيا على سريرك  » ،  » لا تفكر في الأكل والشرب  » … وتساءلت في نفسي ، هل الصوم مرعب إلى هذا الحد ؟ لكنني تغافلت هذه المخاوف، وعزمت على خوض غمار هذه التجربة بكل تفاصيلها

 : ليلة الصيام، فرحة السحور

وفي تلك الليلة أيقظتني والدتي على الساعة الثالثة صباحا ، والابتسامة تعلو محياها فرحا واستبشارا ، لكنني وجدت الاستيقاظ شبه مستحيل في تلك الساعة المتأخرة ، غير أني قاومت خمولي ونهضت متثاقلا مترنحا متثائبا … وبما أن كل أفراد الأسرة مستعدون فقد تظاهرت بالفرح رغم أني كنت بينهم غريبا حائرا فكثيرا ما سمعت مدحا وثناء على هذه الوجبة لكنني ما توقعت أن يتكبد الإنسان مثل هذا العناء… وعلى غرار سائر الأيام أعتدت لي والدتي متكأ إلى جانبها حول المائدة التي تنوعت أطباقها وتعددت ألوانها ، كأنها لوحة فنية عكست أصالة أسرتي وحرصها على تنميق الموائد وزركشتها ، فالعين تشتهي أكثر من المعدة أحيانا … وقد أمضيت وقتا طويلا ألوك ما لذ وطاب من أشهى المأكولات والمشروبات التي تقاطرت أمامي هبة وتحفيزا .. تملكتني الحيرة في أيها أشهى وأحلى حتى صحني الصغير الذي لم يقو على حملها كان يشاطرني فرحتي ويغازل بطني ومعدتي … بعد هذا بقليل قام الجميع متأهبين في انتظار موعد الصلاة … وما هي إلا لحظات حتى ترددت في الآفاق أنغام المؤذن مصحوبة بطلقات المدفع إعلانا عن بدء الصيام… ثم خلدت إلى نوم عميق وفي نفسي بقية من مشاهد السحور

: متعة الصيام

أهل الصباح على إيقاع أنغام العصافير وكأنها تستقبل يوما مليئا بالأفراح والمسرات ، كنت أسمعها فأتغنى بألحانها لأشاركها فرحتها ، وأضم سعادتها إلى سعادتي بيومي الأول الذي أصوم فيه ، قضيت يومي معتزا أيما اعتزاز في أطار تعبدي وروحاني، إذ كان همي الوحيد هو التجاوب مع ما يفرضه الصيام من قيم وخشوع وخضوع وامتثال لكرامة الإسلام وخصوصا في شهر العبادة والغفران

خرجت من البيت وكلي حيوية ونشاط ، كنت أتأمل الوجوه تلو الوجوه التي تنظر إلي وكأن علامات الصيام تظهر على ملامحي ، وكثيرا ما تأسفت على أولئك الذين لا يجدون ما يرممون به أشلاء فقرهم ، وصلت إلى المدرسة وكنت قد اعتقدت أنني الوحيد من بين أترابي من أقدم على هذه التجربة ، لكنني فوجئت بعدد لا يستهان به من أصدقائي من شارك أهله هذه الفرحة ، وقد زادت هذه المفاجأة من عزمي وصبري وشجاعتي … كانت الفترة الصباحية ممتعة لم أشعر فيها بأي تعب ، ولم أتذكر الجوع والعطش إلا في الفترة الزوالية حين رأيت الأطفال الصغار وهو ينعمون بوجباتهم … لكنني كبحت جماح نفسي وتناسيت معدتي

انتهى الصف على الساعة الثالثة بعد الزوال ، عدت إلى بيتي وآثار التعب بادية على حروف سحنتي الشاحبة ، لكن نفسي قد تلذذت بحلاوة الإيمان حين أنجزت واجباتي المدرسية وأديت ما علي من فروض … وأشد ما راقني حين انهمكت في مساعدة والدتي وأخواتي في إعداد مائدة الفطور في أجواء سادها الفرح والحبور، والهزل والمزاح … ولم تدم إلا لحظات حتى أقبلت اللحظة الحاسمة ، لحظة سماعي آذان صلاة المغرب ، فقد كنت أول من جلس حول المائدة ، ولقد أثار هذا ضحك أفراد أسرتي ، لكن وقع المفاجأة كان قويا حين ارتفعت زغاريد والدتي فرحا وحين انهالت قبلات والدي على جبيني ابتهاجا والهدايا تغمرني من كل جانب إلى درجة أنني تناسيت الفطور لشدة ما أعجبتني هذه الالتفاتة الحنونة

لقد ترك هذا اليوم طابعا مميزا في حياتي لأنه يخلد في ذاكرتي يوما جميلا تذوقت فيه متعة الصيام ونعمته، ولعلها أشد النعم التي ينتفع بها المؤمنون روحيا وصحيا… ويتضامنون اجتماعيا… ويستشعرون آلام الفقراء فتزداد نفوسهم عطفا وإحسانا

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.